القرطبي

233

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " أي هذا تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق ، أي بالصدق وليس بباطل وهزل . " فاعبد الله مخلصا " " مخلصا " فيه مسئلتان : الأولى - " مخلصا " نصب على الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا " له الدين " أي الطاعة . وقيل : العبادة وهو مفعول به . " ألا لله الدين الخالص " أي الذي لا يشوبه شئ . وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشئ . وأصنع الشئ أريد به وجه الله وثناء الناس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا لله الدين الخالص " وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " ( 1 ) و " النساء " ( 2 ) و " الكهف " ( 3 ) مستوفى . الثانية - قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل ، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان ، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان أن الوضوء يكفي من غير نية ، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية . قوله تعالى : " والذين اتخذوا من دونه أولياء " يعنى الأصنام والخبر محذوف . أي قالوا " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم ؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء ؟ قالوا الله ، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام ؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى ، ويشفعوا لنا عنده . قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف " فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة " [ الأحقاف : 28 ] والزلفى القربة ، أي ليقربونا إليه تقريبا ، فوضع " زلفى " في موضع المصدر . وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد " والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله

--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 307 طبعة أولى أو ثانيه . ( 2 ) راجع ج 5 س 425 طبعة أولى أو ثانيه . ( 3 ) راجع ج 11 ص 69 وما بعدها طبعة أولى أو ثانيه .